قصة "الحادث"

غرفة النوم دافئة وهادئة، إلا أن أصواتًا مُزعجة للقطط تُسمع من فناء المنزل. كل ليلة عندما يُخيم الهدوء، فإن القطط تقوم بأصوات مزعجة، كأن أحدًا يضرب هذه الحيوانات المسكينة، كان يُخيل إليها أن زوجها في الليالي التي لا يكون موجودًا بالمنزل هو الذي يضرب هذه القطط.

أطفأت الأنوار، وخلعت ملابسها، وارتدت قميص النوم، وجلست على حافة السرير، ثم فكرت في شيء ما، فنهضت على قدميها مرة أخرى، وأضاءت النور، وقد نسيت أن تدهن الكريم على وجهها. جلست أمام المرآة، وفتحت غطاء علبة الكريم، وأخذته بأصابعها، وفكرت وهي تدهن به وجهها في أنه منذ عام وهي تشتري هذا الكريم وتحضره إلى البيت، وتدهن به وجهها ليل نهار. لو حسبت كم دهنت من الكريم وجمعته بعضه مع بعض، على الأقل يكوّن حوالي برطمان مكون من ثلاثة لترات. انظر إلى وجهها، فقط كم كيلو أكل من الكريم؟!...

أخذت قليلاً من الكريم، ودهنت أسفل عينيها وجبينها، وبدأت تُدلك تلك الأجزاء ببطء بالطريقة التي قرأتها في المجلة. فكرت وهي تدلك في أنه بعد كل مرة تدلك على هذا النحو، كأن وجهها يتجعد بعض الشيء بدلاً من أن يكون أنضر، هل تقوم بالتدليك بالطريقة الصحيحة، أم ماذا؟... أم ربما جلدها يترهل بسبب نحافتها؟... على أية حال، كان منظرها يدعو للاشمئزاز.

نهضت وأغلقت الأنوار مرة أخرى، ودخلت سريرها، وغطت نفسها بالبطانية. كانت عضلات فخذيها تئن... فتذكرت أنها لا تمارس الرياضة منذ يومين، فبدأت في الحركات التي تفعلها من أجل تقوية عضلات البطن منذ فترة؛ حيث بدأت في ضم قدميها ورفعهما وخفضهما لأسفل وأعلى وعمل حركات مختلفة في الهواء بأطرافها. كلما تحركت شعرت بسخونة جسمها، والعرق في منبت شعرها ورغبتها في حكه، وفكرت وهي تحس بالضيق في أن الناس الطبيعيين يمارسون الرياضة صباحًا، ثم يستحمون، ويتناولون الإفطار، وما شابه ذلك. أما هي فتغير ملابس النوم في الصباح بصعوبة: تُطعم الأطفال الثلاثة، وتُلبسهم، ثم تُجهز الطعام لزوجها، وتساعده في ارتداء الملابس...

... كأن زوجها مشلول، إذا أطعمتَه يأكل، وإن لم تقدم له الطعام، يموت من الجوع، إذا أعطيته قميصًا نظيفًا وجوربًا وبنطلونًا مكويًّا، يرتديها، وإن لم تعطه، يسير بملابس متسخة؛ يعني كانت هي أم زوجها، وأم لكل البيت.

تضايقت بشدة، وفكرت في أنها سئمت من كونها أمًّا، ثم فكرت كذلك فيمَ تريد أن تكون؟... هي نفسها لا تعرف، ربما تدع الرياضة جانبًا؟! واللعنة أيضًا على الرجيم. لقد تلفت أعصابها تمامًا منذ أن بدأت الرجيم. عندما تشم رائحة الطعام، تصاب بغثيان. ما هذه المصيبة؟!...  إنها تصاب بالسمنة، ويتجعد وجهها، فليتجعد وتزداد فيه التجاعيد، ويتساقط شعرها، لا يهم فلتصبح صلعاء! ... ما الحاجة لوجه ناعم ولبطن مشدود؟ ... تقتل نفسها لكي تُعجب مَنْ؟! ... زوجها، يمكن أن يقال عليه أعمى، ما إن يدخل للمنزل، فإنه يتجه مباشرة للمطبخ كالعجل الأعمى، ثم من هناك إلى مقعده أمام التلفاز، ومن هناك إلى غرفة النوم مغمض العينين، وتتحدث معه وهو يركز إما في الطعام الذي أمامه، أو في التلفاز، أو عند النوم... كلما حرّكت قدميها، كانت ألواح السرير تحتك بعضها ببعض، كأنها تتمدد فوق أغصان شجرة جافة، وليس فوق الفراش، وكلما حرّكت إحدى قدميها، كانت الأغصان الموجودة تحتها تنكسر وتتساقط...

فكرت، انظر دائمًا يحدث هذا، الآن لا تستطيع النوم، فلا يأتي زوجها، ولكن ما إن يغلبها النوم، في اللحظة ذاتها يقرع الباب، فتنتفض وترتعد كالتي مسَّها تيار كهربائي، وسيخفق قلبها بشكل سيئ كالذي سمع خبرًا سيئًا... وسوف تنهض وتذهب لفتح الباب بقدميها المصابة بتنميل بسبب النوم الخطأ وبشعرها الأشعث، وستنظر من فتحة الباب، وسنرى وجه زوجها شاحب اللون... وسوف يدخل زوجها، وسينظر بطرف عينه إلى وجهها العابس من النوم، وإلى شعرها المتناثر.... أما تعبيرات وجهها فسوف تتوقف على مضمون الأحلام التي رأتها منذ أن نامت وحتى دقَّ جرس الباب، ولكن على أية حال سوف تتعصب، وتُنزل على زوجها وابلاً من الأسئلة والاستجوابات، وسوف تغضب بسبب عودته للمنزل في وقت متأخرٍ، وتُنزل اللعنات على كل شيء، وترطم الباب بقوة.... أو تعود صامتة كأكثر امرأة مظلومة في الدنيا، وتدخل سريرها، ولكن لن تستطيع النوم، بالطبع سوف يهرب منها النوم بعد تلك الدقات المشؤومة للباب، وسوف يدق قلبها بنبضات ضعيفة، وتخر قواها، وسوف تظل تتلوى في مكانها مثل المريض المتألم، ثم ستنتصب وتجلس مكانها، وستركز بغضب في زوجها الذي ينام بجوارها تعلوه ابتسامة خفيفة وفمه شبه مفتوح... وسوف يأكل في المنام شيئًا ما ويمضغه، أو سيتجادل مع شخص ما ويجز أسنانه...

... غشيت بدنها حكة غريبة لافحة، وتحول غطاء الفراش الذي تحتها إلى لدغ يلسع جسمها. أوقفت قدميها، وفكرت في أن كل هذا من الانفعال العصبي. يقول طبيبها إن شعورها بالأرق والغثيان، وكذلك جلدها الذي بدأ تصيبه الحكة والاحمرار الشديد كأن ماءً مغليًا سقط عليه عندما تتعصب بسبب تلف أعصابها المتوترة.

أخذت نَفَسًا عميقًا، وفكرت في أنه إلى متى كل هذا؟... كم يمكن أن يشعر الإنسان بالاشمئزاز، ويشعر بمثل هذا الحك واللدغ؟!... ها هي في هذه الحالة المزرية... لقد أصبحت مثل المرأة الستينية وهي لم تبلغ الثلاثين بعد، نعم، تكبر في السن بسرعة... وتطول يداها، وتكبر كذلك عيناها...

ذات مرة رأت في المنام أنها مُسِنَّة، ورأت كيف تجعدت أظافرها... وأرادت أن تمدَّ يدها وتهرش بأظافرها... كلما حكَّتها، انتزعت أظافرها واحدًا واحدًا... ثم تحاكت أسنانها... فتساقطت أيضًا بمجرد أن لمستها بيدها... ثم بدأت الشعور بالحكَّة في أذنيها وأنفها وصدرها... وكلما حكَّتها، انتُزعت جميعها، وتساقطت... رفعت قدميها لأعلى، وبدأت تحركهما كالذي يقود دراجة، كلما حركتها، انتظم نفسها. وعلى هذا النحو، كانت تقوى عضلات البطن التي ترهلت من الحمل، ولأنها كانت تقوم بعمل هذه التمارين منذ الشهر الماضي، فإن بطنها قد تقلصت بعض الشيء. وبصفة عامة، كان جسمها قد تقلص بالكامل؛ أي نقص وزنها.

انتصبت ونظرت إلى صورتها المنعكسة في المرآة المواجهة لها. كانت صورتها لا تشبها في الظلام... فكرت في الجيران الذين يشاهدونها في هذه الحالة، الله أعلم بما يتحدثون عنها في غيابها. يعتقدون أنها مريضة، أو لديها مشكلة أخرى... وعلى الرغم من أن أقاربها يضحكون في وجهها، فالقلق كان يُشع من نظراتهم.

ذات مرة نظر أخوها إلى عينيها اللتين اسود أسفلهما من النحافة، قائلاً:

-       ما هذه الحالة التي أوصلتِ نفسك إليها؟...

فكرت حقًّا ما هذا الوضع الذي فعلته بنفسها؟... كانت تُشبه طالبة في المدرسة الإعدادية، وأصبح أولادها في الآونة الأخيرة أيضًا لا يسمعون كلامها. عندما تقول شيئًا، ينظرون إليها، ويضحكون بشدة. وأغرب ما في الأمر أنها أصبحت نحيفة أكثر من اللازم، ولكن لا تستطيع أن تتخلى عن هوس الرغبة في النحافة. كانت تُريد أن تُذيب نفسها وتختفي، ثم ماذا؟...

كانت من حين إلى آخر تُسمع أصوات أقدام خلف الحائط بالمبنى المجاور. كان هناك أناس ما يصعدون لأعلى بسرعة أو ينزلون لأسفل.... وكانوا يسعلون من حين إلى آخر. كانوا يسعلون بشدة لدرجة أنهم كادوا يجرحون حلوقهم، ويتردد صدى الصوت من الجدران الخاوية، وكأنهم يتلذذون من إصدار صدى صوت في هذا السكون الليلي...

... كانت أصوات الأقدام تقترب من حين إلى آخر، وتصل حتى مدخل بابهم، ولكن في تلك اللحظة، كان الباب ينفتح مُحدثًا صوت ارتطام من مكان ما، وكانت أصوات الأقدام تذوب داخل ذلك الباب وتتلاشى.

كتمت نفسها بداخلها، وأنصتت للباب... ورغم أنها انتظرت وضع المفتاح في القفل، وأن يُسمع صوت لغلق الباب بهدوء بعد الدخول، فلم يصدر أي صوت. ربما كان زوجها قد صعد السلالم ووصل أمام الباب، والآن كان يفكر في شيء ما، ولا يريد الدخول... استدار وهو ينزل إلى أسفل. نعم، كان زوجها لا يريد العودة للمنزل.

ضاق صدرها، هل يا ترى بسبب ممارسة الرياضة في غير وقتها، أم من القلق والتوتر؟ ونهضت على قدميها، وفتحت النافذة على مصراعيها، واستنشقت الهواء... كانت تنتشر في الجو رائحة عشب نبت حديثًا، فصل الربيع على الأبواب...

خلال عدة أيام سوف يسود الدفء، وتصعد الشمس إلى عنان السماء، وتبدأ زغللة العين... وتزدهر الأشجار، وينزل الإلهام على الشعراء، الذين ينظمون أشعارًا ساذجة حول الربيع "ذي الروائح النفاذة"، وحول البراعم "شديدة الاخضرار".... ولن يهتم أحد مطلقًا بأنه رأى هذا الربيع خمسين مرة؛ أي رأى هذه "الشمس الدافئة" نفسها، والبراعم "الشابة"، ولن يهتم أيضًا بزيف هذا الفصل الذي يُطلقون عليه "الربيع" المليء بالرياء ويخدعون أنفسهم.

أغلقت النافذة، وفكرت في أن فصل الربيع هو أسخف الفصول بسبب تفتح أزهاره واخضرار النباتات، يوجد شيء ماكر في ارتداء هذه الدنيا المسنة التي تقف على عتبة الموت لهذا اللباس المزخرف الملون مرة واحدة في العام. كان يليق بهذه الدنيا العجوز الشتاء والخريف أكثر؛ لأن أولها وآخرها هي الوحدة الباردة... كان موتاها أكثر من أحيائها...

عندما وصلت إلى هذا المقام، تذكرت جميع موتاها وراحليها... والداها، أجدادها، جداتها، خالاتها، أخوالها، أعمامها، نظروا إليها جميعًا فجأة من صورهم الباهتة المعلقة في أحد أركان المنزل....

ماتوا جميعًا. وهي الوحيدة الباقية، أصبحت هي أسيرة في يد الأشخاص الذين عرفتهم منذ خمس أو عشر سنوات؛ أي زوجها وأولادها الثلاثة المساكين، وأيضًا كان أولادها الثلاثة يشبهون زوجها. كانوا يُشبهونه لدرجة كبيرة كأنه هو الذي أنجبهم بمفرده؛ لذا فهي تريد الموت؛ لأن الربيع سيأتي مرة أخرى.. وحينئذٍ سيضحك الناس كذبًا، والطيور تغرد كذبًا، والأشجار تجمع قواها، وتظهر براعمها من جديد.... أما الفراشات فسوف تموت عندما تقترب الشمس من الأرض، وسوف تصفر الأعشاب خلال عدة شهور وتذبل...

غشى جسمها بالكامل فجأة رغبة غريبة في التلاشي... رغبة في الاختفاء، وفي الذوبان، وفي التخلص من بدنها، وذاكرتها المليئة بآلاف المآسي والصعوبات... ولكن ماذا عن أطفالها؟... ركز أطفالها في وجهها بوجوه مليئة بالعزلة اليائسة من أحد أركان المنزل... شعرت أنها تخجل منهم بسبب رغبتها في الموت، كان هذا أمرًا يشبه تركها أولادها في منتصف الطريق والهروب... ثم بلعت الضيق الذي يملأ صدرها، وفكرت لماذا أنجبتهم؟... ثم فكرت في أنها عندما أنجبتهم من أين كانت تعلم أن السعادة الوحيدة لكونها أصبحت أمًّا؛ أي ما يطلق عليه "سعادة الأمومة" عقب الولادة، هي مجرد لحظة عابرة، ثم كلما كبر الأطفال، لماذا يجب عليها أن تفرح؟... كلما كبر الأطفال، كانت تكبر معهم مشاكلهم... لم تتذكر كلام حكيم آخر عن الأطفال.

نعم، أي أنها كانت لا تستطيع أن تترك أطفالها في منتصف الطريق وتموت. لا حق لها، ثم فكرت: انظر إلى هذا الهم، يجب أن يكون لها حق في الموت. ربما أن للموت قوانينه الخاصة به، وله وقت محدد، ثم فكرت أيضًا في أنه ربما يكون هذا أمرًا عابرًا؛ فقد حدثت لها كثير من هذه الأمور ولله الحمد.

تذكرت المواقف التي رغبت فيها في الانتحار عدة مرات... ثم تذكرت أنها ذات مرة أرادت أن تلقي بنفسها، وتنتحر مع طفلتها عندما كانت تقف في الشُّرفة وفي حضنها ابنتها التي كانت تأكل قطعة التفاح الموجودة في يدها بفمها الصغير الخالي من الأسنان، وتذكرت أنها تخيلت آنذاك أنها ظلت متعلقة بسور الشرفة لمدة، وكيف أنها كانت ستلقي بنفسها في الهواء وطفلتها في حضنها، وأنها سوف تطير لأسفل على رأسها محتضنة طفلتها، وسوف يرتطم الاثنان بالأرض، ويموتان وهما ينظران إلى بعضهما...  تذكرت آنذاك تلك الأوقات العصيبة، وكأن أطفالها وزوجها اتفقوا عليها معًا، كانت تنتظر مجيء زوجها للمنزل في النصف الأول من الليل، والنصف الثاني من الليل لا ينام طفلها الصغير، أما منتصف النهار فكانت تعاني من وقاحة طفلتيها، فتذكر أنها في تلك الأوقات كانت تطوف المنزل ترتب هذا وذاك وهي تعوي كالذئب من شدة التعب والأرق. تذكرت أنها كانت في تلك الآونة عندما تنظر في المرآة، كانت ترى نفسها مثل الذئب، وفكرت أنها في الحقيقة أصبحت حاليًا تشبه الذئب، ثم فكرت مرة أخرى في أنها لا تشبه الذئب، بل تشبه الكلب- الكلب الوفي الذكي.

فكرت في أنها كانت تتعرض إلى مثل هذا سابقًا، وكانت تسأم من الدنيا ومن نفسها... نعم، كان يحدث هذا. ولكن كان لا يستمر هذا كثيرًا. أحيانًا ترى أنها ترغب في الموت، ولكن كانت تنجو من هذا الوضع الذي يشبه غيابة الجب، ثم بعد ذلك تحمد الله ألف مرة أنها لم تمت؛ لأن الحياة جميلة، ومليئة بالمعاني والأسرار، وغير ذلك من الأمور.

... كان هناك أصوات ضحكات من إحدى الشقق المجاورة... أحد ما كان يُغمى عليه من الضحك... وكان لا يُعرف أيضًا هل الضاحك رجل أم امرأة؟  دخلت السرير، وسحبت اللحاف على رأسها، ونظرت إلى ساعة الحائط؛ الساعة الثانية تمامًا. ... انقطعت أصوات الأقدام من المبنى تمامًا، وأغلقت أبواب جميع الشقق، وأُغلق أيضًا الباب العمومي للمبنى بالقفل، والآن حتى لو حاول زوجها الدخول، فلن يستطيع أن يعبر كل هذا السكون، كان قد بدأ سماع أصوات الأشياء المضغوطة تحت وطأة السكون...

صدر صوت حكة بسيطة من الأكياس الرقيقة المليئة بالملابس على أرفف الدولاب... كانت الأكياس قد تعبت من تكويمها بعضها فوق بعض طيلة اليوم، فتسترخي. وقد أصدرت الأرضية أيضًا صوت حكة... كأنها تمطت، كلما كان السكون يسود على الحجرة، يخيم على الأجواء مناخ، كأن مصيبة حدثت في مكان ما بعيد...

نعم، هذا ليس سكونًا عاديًّا. لقد حدث أمر ما... حدثت كارثة... وها هو زوجها لا يأتي ولا يعود. كان قلبها مستريبًا منذ أن استيقظت في صباح اليوم... وزوجها لم يكن بالعمل بعد الظهر. ربما تقابل مع صديقه المحقق ذلك، الله أعلم، كانا يجلسان وجهًا لوجه، ويتحدثان عن شيء ما، وكان يتبادلان الحديث عن همومهما. عندما يتكلم، يقول باستمرار كلمة "من أجله"، "من أجله" كان عندي عمل، "أقول من أجله".

فجأة تخيلت كيف يركب زوجها السيارة، ويُشغّل المحرك...  فعندما يحل المساء، تضيق الطرق، وتزداد أعداد السيارات التي تسلط نورها الحاد في وجهه كذي القرنين... خدَّرت حرارة المحرك زوجها بعض الشيء، ويُدبر زوجها عجلة القيادة وعيناه شبه مغلقتين... قدَّم صوتًا ناعسًا لابنتها من الحجرة الأخرى، ربما كانت تتكلم، وهي نائمة مرة أخرى:

-       أنتِ مستيقظة يا بنيتي! أنتِ أنتِ يا صغيرة! ...

كانت ابنتها تصرخ وهي نائمة باستمرار على هذا النحو، ربما البنت تتشاجر مع أخيها. كانا يتناحران الولد وأخته وقت الظهيرة، وفي النهاية يتم معاقبة البنت دائمًا.

فكرت في أن ابنتها كلما تكبر، فإنها تشبهها. وها هي عندما كانت تنظر إليها، كان قلبها ينفطر، وكانت تشم في نفسها رائحة أن كل شيء سيبدأ من جديد... أيام المدرسة المظلمة، والخانقة، أيام الدراسة الجامعية القصيرة جدًّا، والتي لا معنى لها، وزواجها وما شابه ذلك.

تحرك بندول ساعة الحائط، مصدرًا ضجة، ومعلنًا أن الساعة الثانية والنصف... لا، لم يسبق لزوجها أن تأخر إلى هذا الوقت بدون أن يخبرها... خفق قلبها باضطراب شديد. نعم حدث حادث... كان هذا الحادث يجب أن يقع في وقت ما. لقد جاء ذلك اليوم ووقع الحادث.

تخيلت زوجها أمام عينيها في مختلف الأوضاع... انقلبت السيارة....  وصار يد زوجها زرقاء اللون وبها كدمات تبدو من تحت الإطارات المتصاعد منها الدخان... وانحشر في عجلة القيادة وأصبح وجهه لا يُعرف من الإصابات... انحرفت السيارة عن الطريق، وسقطت في الوادي متدحرجة... وكان يُسمع أنين زوجها من عمق الوادي... نعم حدث الحادث... كان يجب أن يقع هذا الحادث منذ زمن بعيد، ولكن حدث الآن. في الأصل، شعرت هي بهذا منذ زمن بعيد عدة مرات... ورأته أيضًا في أحلامها، كم يمكن يعيش هذه الحياة اليائسة والرتيبة؟...

كان يحدث في حياة الجميع شيء ما؛ فمثلاً يموت للإنسان شخص عزيز عليه، وأحيانًا يموت ذلك الإنسان ذاته، وأحدهم لا يُنجب، والآخر عنده عدد كبير من الأبناء لدرجة أنه كان لا يستطيع أن يُطعمهم. أما هي فكان لا يحدث في حياتها أي شيء.

نعم، كانت مصيبتها تبدأ من هذه الليلة. في النهاية، سوف تكشف لها الحياة عن وجهها الأسود... نهضت على قدميها، ونظرت إلى الساعة الواضحة بالكاد تحت ضوء الشارع؛ الساعة قد تجاوزت الثالثة، ذهبت أمام النافذة، ونظرت منها إلى المدينة الخالية والمظلمة، وصارت المباني المربعة التي تشبه بعضها بعضًا تُذكّر بشواهد القبور... نعم، كانت المدينة تُشبه منطقة المقابر الضخمة... فكرت في أنه يجب عليها الآن أن تتصل بأقارب زوجها واحدًا واحدًا وتخبرهم، ثم فكرت أيضًا فيم تقول لهم؟... أتقول لهم إن زوجها قد مات؟... ربما لم يمت؟! لا، بالنسبة لموته فقد مات بالتأكيد؛ لأنها تشعر الآن بالوحدة تمامًا. نعم، تشعر أنها أرملة رزينة.

ثم فكرت لماذا تجلس، وماذا تنتظر؟... فلتنهض، وتُرتب المنزل، وترتب نفسها أيضًا؛ لأنه بمجرد أن يطلع النهار، سوف يحضرون جثمان زوجها، وسوف يعرفون العنوان ويُحضرونه إلى هنا... أم ربما نقلوه للمستشفى؟... نعم سوف يذهبون به إلى المستشفى... سينقلونه ويشرحونه... وسوف أيضًا تذهب وتنتظر باكية عند باب المستشفى... على رأسها غطاء رأس أسود، وترتدي ملابس سوداء... فجأة تذكرت أنها ليس لديها ملابس سوداء جيدة للخروج بها بين الناس.

أضاءت النور وعبثت في أرفف الدولاب... ثم أنزلت لأسفل الحقائب الثقيلة جدًّا من الدولاب الخارجي.

بسبب أن قفل إحدى الحقائب كان مفتوحًا، عندما أنزلتها جرحت ركبتها وأدمتها، وتساقطت قطرات الدم من ركبتها على الأرض... فأسرعت إلى المطبخ والدم يتساقط على الأرض، وفكرت، وهي تلف جُرحها هناك، أن زوجها الآن هو الآخر غارق في دمه... وكلما فكرت على هذا النحو، اشمأزت، ثم أضاءت نور الطُّرقة، وجثت على ركبتها، ومسحت بُقع الدم المتساقطة من ركبتها بخرقة مبللة وهي مُشمئزة.

أفرغت ما بداخل الحقائب وسط المنزل، فأمسكت الرداء الأسود الذي وجدته، ثم أخرجته من وسط الملابس الملونة، ووضعته على جسمها، وتأملته، ثم لبسته. كان الرداء مثل العام الماضي مُتسعًا عليها، يجب تضييقه من جميع جوانبه بمقدار أربعة أصابع. ذهبت وأحضرت من المطبخ صندوق الإبر، ووضعت الخيط في الإبرة، ونظرت في الساعة. كانت الساعة الرابعة والربع، سوف تنتهي حتى طلوع الشمس.

قلبت الرداء على البطانة الداخلية، وتخيلت وهي تُضيق الثوب أنها ارتدت هذا الثوب الأسود، وذهبت إلى المستشفى، عندما ترى الجثة ماذا عليها أن تفعل؟!... أتجري باكية، وتُلقي بنفسها على الجثمان، أم يجب عليها أن تظل واقفة في نفس المكان ؟...

تذكرت ما فعلته أمها عند موت أبيها. لم تبكِ أمها مطلقًا آنذاك، وقفت صامتة كالذي غرقت سُفنه في البحر، ثم سمعت صوت أمها الأجش من الحزن:

-       يا بُنيتي، لا يُبكى على الغريب.

إذن البكاء ليس بالأمر المهم... فتأثرت آنذاك... وتذكرت وقت الخطوبة.

لا، بالتأكيد سوف تبكي... سوف تبكي بجوار مدخل باب المستشفى، وتستند إلى الجدار حتى لا تخر على الأرض... كانت تعرف طبعها جيدًا. عندما كانت تبكي كان يجب أن تستند إلى الجدار على مكان ما. كانت قوتها تتضاءل، أليس كذلك؟...

... ربما يأتون ويُبعدونها عن الجدار، ويذهبون بها... ثم فكرت أنه إذا لم يبعدها أحد عن الجدار، ونسوها، فماذا يحدث؟!...

... دُفست الإبرة في إصبعها... فخرج الدم من إصبعها... فكرت لماذا تفكر في مثل هذه الأشياء الحمقاء ؟! فلتبكِ هي على حالها. امرأة وحيدة، وثلاثة أولاد... سوف تنفد المواد الغذائية خلال يومين أو ثلاثة تلك التي حملها زوجها في يده، وهو يتصبب عرقًا، وملأ بها الثلاجة، أما هيفيجب عليها بعد يومين أو ثلاثة أن تذهب للسوق... وسوف تورّم السلات الثقيلة شرايين يدها بعد أن تحملها بنفسها وراحة يديها تتقطع... فكرت لماذا يجب أن تحمل هذا الكم من المواد الغذائية، هل ستحتاج لطهي الطعام بعد وفاة زوجها ؟!... وأولادها- الحمد لله- لا يريدون شيئًا سوى الفاكهة والحلويات؛ أي أنها سوف تستريح من التسوق، ومن عمليات مثيرة للاشمئزاز مثل غسل البطاطس والبصل العالق بهما الطين، واللحم ذي الدهن، وكذلك وضعها في الثلاجة، سوف تشتري كرتونة بيض، وتضعها في الثلاجة... حتى تنتهي، ثم فكرت أليس البيض أمرًا جيدًا ؟!...

... إنه طعام محترم، كل شيء بداخلها، ولا تحتاج إلى اتساخ الأيدي، ولا يأتي منها رائحة، ويُطهى في لمح البصر.

ارتجف قلبها من هذه الفكرة التي خطرت ببالها؛ أي أنها لن تطهي الطعام. على الفور سوف تستريح من صداعها اليومي مع ماكينة فرم اللحم التي تجثم فوق أحد أرفف دولاب المطبخ وتنتظرها حتى تُشغلها. كانت ماكينة فرم اللحم في مقدمة الأشياء التي ستلف في الخرقة الزرقاء القديمة؛ فبدلاً من أن يفرم اللحم، ويفتته سكينها الذي أصبح رقيقًا مثل جناح الفراشة من كثرة شحذه، تضايقها كل دقيقة كمحرك السيارة الخرب، أي كأنها تقول لها "فكيني، واجمعيني من جديد". عندما يتم إلغاء موضوع طهي الطعام، لن تحتاج للنازع معها بعد ذلك، وسوف تستريح أيضًا من سلك الأواني الذي يقصف أظافرها من كثرة غسيل الأواني المليئة بالدهون وحكّها، ولن تكون هناك حاجة يومية لغسل موقد الغاز "المزين" بالبقع الملونة ليل نهار...

شعرت آنذاك بحرارة غريبة بجسمها، وفكرت ربما سوف تستريح من أشياء كثيرة بعد ذلك... كلما كانت تتذكر الأمور الحياتية اليومية التي كانت تقوم بها على مدار سنوات على مضض، والمسئوليات الأسرية التي كانت تضطر لحلها وهي في قمة الضيق أمرًا أمرًا، شعرت بأن نفسها يضيق من التوتر، وأن ظلام الحجرة الخانق يخيم عليها، فانتصبت... أم كان النهار يطلع؟!...

نعم، يعني أن الحياة الجديدة تبدأ... حياة حرة بلا ضيق، ولا مسئولية... وكلما فكرت في الحرية، كان يطرأ على ذهنها كمٌ كبيرٌ من الأفكار الجديدة، وفرص الحياة الجديدة، لدرجة أنها عندما جمعتها مع بعضها، تشجعت وفهمت أنها ستكون حياة مختلفة تمامًا، وأن المرأة التي تقود هذه الحياة سوف تصبح شخصية أخرى تمامًا.

.... أصبح ثوبها جاهزًا، نهضت وخلعت ملابس النوم، وارتدت ملابسها، ووقفت أمام المرآة. كان الثوب يبدو ضيقًا عليها.

ذهبت إلى الحجرة الأخرى، وأضاءت النور، وجلست أمام ماكينة الحياكة، ووضعت الخيط في إبرتها، وخلعت الثوب من عليها ووضعته تحت إبرة الماكينة.

كان الجو مضيئًا... فكرت في أنه يجب عليها أن تتصل بأقارب وأهل زوجها...

... ضغطت على زر الماكينة، وأطفأتها، وقطعت الخيط بأسنانها، وارتدت الثوب، وذهبت أمام المرآة، ومشطت شعرها، وفجأة لاحظت خلفها الملابس المجمعة وسط الحجرة، ونهضت على قدميها، واقتربت من الملابس التي أخرجتها من الحقائب...

... شاهدت وسط الملابس البيجامة المخططة التي يرتديها زوجها في منزل صيفًا، وعدة قمصان شتوية؛ ففكرت في أنه ينبغي وضع كل هذه الملابس في صُرَّة، وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، ثم فكرت وقلبها يخفق، أنه يجب بصفة عامة التخلص من جميع هذه الأشياء القديمة، ومحو هذه الكومة من الملابس التي هي ذكرى للأيام الماضية.

قدم صوتُ دقٍّ من الطُّرقة، التفتت وأنصتت للصوت. إنهم يدقون الباب الخارجي.

فكرت وقلبها يخفق من يكون في ذلك الوقت؟ ... ثم فهمت الأمر في الوقت نفسه... كان زوجها... لقد عاد. وبمجرد أن يعود من العمل كل مساء، يأتي ويقف أمام الباب... طرق الباب هذه المرة بقوة شديدة، ثم دق جرس الباب ثلاث مرات متتالية.

ربما كان زوجها لا يخشى بعد الآن من استيقاظ الأطفال.

فكرت دون أن تتحرك من مكانها: "رن، رن... رن، حتى تتجمد يدك؛ فلأرَ، ماذا ستفعل؟... "

كان جرس الباب يرن بلا توقف، استيقظ الأطفال من النوم، وصارت أصواتهم تُسمع من الحجرة الأخرى... ثم نزل أحدهم على الأرض، وجرى إلى الطرقة حافي القدمين، وفتح باب الحجرة، وأطل برأسه:

-       أمي، أمي...

-       ما الأمر؟

-       الباب يدق...

-       أسمعُ، اذهبْ أنت ونَمْ.

فكرت وهي في شدة الغضب أنها كانت تحيك لها ملابس سواء... في الوقت الذي كان هذا الإنسان مشغولاً بمزاجه... غلبها البكاء، وفكرت:كم هي امرأة حمقاء؟!...

طُرق الباب هذه المرة بقوة شديدة، لم تستطع التحمل، فخرجت إلى الطرقة، وأضاءت النور، ونظرت من فتحة الباب لترى من بالخارج. كان زوجها واقفًا خارج الباب بوجه كالمذنب، وقد سلَّط نظره إلى فتحة الباب.

-       ما الأمر؟

-       افتحي الباب.

-       لا أفتحه.

-       قلتُ لكِ: افتحي، لا تفضحينا، الناس نائمة.

-       ....

-       لا أفتح.

-       أقول لك: افتحي، وإلا...

-       نعم، وإلا ماذا؟...

-       ستعرفين.

-       لا أعرف.

لقد طرق زوجها الباب بقوة شديدة، لدرجة أن إطار الباب تحرك من مكانه. بكى أحد الأطفال في الحجرة الأخرى، فاضطرت إلى أن تفتح الباب.

دخل زوجها بوجه غاضب وتحت إبطه لفة مغلقة، ونظر إليها باشمئزاز، ثم وضع اللفة أمام المرأة بشكل يبدو بعد أن ترى ما بداخلها ستخجل من نفسها على الحركات العبثية التي فعلتها منذ قليل.

-       أهذا المكان بالنسبة لك فندق؟! ...

-       ...

-       أُكلمك.

كان زوجها يفتح اللفة آنذاك. فتحها وأشار إليها بيده قائلاً:

-       هاتف.

-       ماذا أفعل بالهاتف؟...

-       ألم تقولي ذلك اليوم ؟!...

-       كنتُ أقول ذلك اليوم أشياء كثيرة، لماذا لم تتذكرها؟...

-       ماذا كنتِ تقولين؟...

-       كنت أقول هنا ليس فندقًا، لو جئت متأخرًا، سوف تبيت في الشارع...

-       كفى، حسنًا.

-       حسنًا! الشيء الوحيد الذي تذكرته هو الهاتف، أليس كذلك؟ أهذا هو الشيء الأساسي؟... أصعب شيء هو المجيء للمنزل، والمكوث به، ورؤيتي!

خلع زوجها حذاءه ببطء يشبه انعدام الوزن تحت الماء، وارتدى شبشبه.

-       لماذا جئت؟ ليس لديك مكان للنوم؟ ...

-       ...

-       هذا أمر جديد ظهر، كلما تأتِ تحضر تحت إبطك شيئًا، ما هذا، أهذه رشوة؟

-       لقد خربت رأسك.

-       حتى ولو خربت.

ذهب زوجها إلى المطبخ، وانشغل فترة هناك بشيء ما.

عادت إلى حجرة النوم، وأغلقت الباب بشدة، ودخلت مكانها، وفكرت وهي تنهج، الآن زوجها يكسب الوقت، ورغم أن النوم يُشع من عينيه، فإنه ينتظرها حتى تنام... ولكنها تتمدد بلا حراك كالجثة، وتدعه يستريح، ولا تضايقه بأسئلتها المتهكمة. والزوج الآن مستعد للنوم مع ميت، المهم ألا يسمع حديثها.

فكرت لماذا حتى الآن لم يخطر ببالها أن زوجها يريد موتها؟... نعم، كان زوجها يريد موتها؛ لأنه سئم من حمل "رشوة" لها كل ليلة، لقد فاض به الكيل من الوقوف مدليًا الرأس كل ليلة أمام الباب كالطفل المشاغب.

عندما يعود إلى منزله المظلم الذي يشبه السجن الضيق، وبسبب السهرات الحمراء التي يذهب إليها كل ليلة طائرًا على جناحين، كان يصعد درجات السُّلَّم بصعوبة كأنه معلق بقدميه مكيال الميزان، وكلما صعد كان يتمنى من الله الموت لزوجته ألف مرة... لأنه سئم من التركيز في وجهها بالليالي مسندًا كوعه على الوسادة كالذي يدرس خريطة صعبة، وسئم أيضًا من انتظار انقطاع نفسها.

لا يزال زوجها في المطبخ. الآن ربما يشرب الماء رشفة رشفة... أو يغسل يديه؟... على أية حال، كانت تسمع صوت ماء، كتمت نفسها، وأنصتت للصوت. كان صوت الماء يأتي من الحمَّام. نهضت على قدميها، وخرجت إلى الطرقة على أطراف أصابعها، وسارت نحو المطبخ بخطوات هادئة... كان باب الحمَّام مواربًا... وقد جلس زوجها على حافة البانيو واضعًا كوعه على ركبته، وكان الماء يتدفق من الحوض بغزارة. ... وعندما فتحت الباب، انتفض زوجها، فقالت:

-       لماذا تجلس هنا؟

-       ...

-       ماذا تنتظر؟

هزَّ زوجها كتفيه بضيق:

-       لا شيء.

-       فلماذا لا تنام إذن؟

-       ...

-       تشعر بالغثيان، صحيح؟

-       لماذا أشعر بالغثيان؟

-       عندما رأيتني...

تنهد زوجها، وأدار وجهه، وهو في حالة إرهاق:

-       بدأنا مرة أخرى...

-       اسمع، لو تشعر بالغثيان، قل: أشعر بالغثيان، لماذا تخاف؟...

-       مِمَّ أخاف؟...  لا أخاف شيئًا.

-       إذن قُلْ.

-       ماذا أقول؟

-       قل أكرهكِ...

-       لا أكرهكِ!.

-       لا أكرهكِ!.

-       .....

-       لو تخاف من الطلاق، لن ننفصل رسميًّا، ولكن لا تلعب معي. قل لي، لأعرف أموري...

أغلق زوجها الماء، ونظر إليها فجأة، ثم ألقى عليها نظرات حادة قائلاً:

-       كيف أمورك؟

-       يعني! ...

ثم شعرت أن بدنها يحترق من منبت الشعر حتى أخمص قدميها.

قال زوجها:

-       نعم، يعني ماذا؟...

شعرت بالحرارة، وكأنهم كانوا يُضرمون النار في زوجها، وكأن شيئًا ما غير لائق في هذه الحرارة التي تشعر بها، فجأة تحرقت عيناه الناعستان اللتان كانتا على وشك الانطفاء، وقال:

-       نعم، لماذا سكتي؟ ... استمري.

شعرت أنها تحترق، الله أعلم، لقد اسودت.

كان زوجها يجلس على حافة البانيو وهو ينظر إليها... فجأة سحب باب الحمَّام، وأغلقه من الداخل. كان أبناؤها ينظرون إليها من الناحية الأخرى للطرقة بوجوه شاحبة:

-       يا أماه، ماذا يفعل بابا هناك؟...

-       بابا مات !!!

كان زوجها هو الذي صاح بهذه العبارة، تردد الصوت مصدرًا صدًى في ظلمة الهدوء الذي انتشر في الشارع.

بكى الأطفال جميعًا... هدَّأت من روع الأطفال، وأدخلتهم، وفكرت في أن كل ربيع يبدأ بهذا الشكل... اللعنة على هذا الربيع!