قصة "الرئيس"

 

... تراجع وأغلق الباب ببطء، وهو يقول:

-       سننتظر بأمل... وأملنا في الانتظار... واليأس في عدم الانتظار... والانتظار هو الأمل...

انتظر بعض الوقت، وقلبه يخفق، وهو يمسك مقبض الباب الذي يشبه غمد السيف.

الرئيس كان جالسًا وراء المنضدة الكبيرة يُسمع كلامه الأخير، وبوجهه الذي ابيض من الغضب أو التعب... انتظر أن يقول الرئيس شيئًا آخر... ساد الصمت خلف الباب... بدأ يتنصت على الباب حتى يسمع شيئًا، وكاد قلبه ينفجر من الذعر... وكان صوت البلبل يأتي من خلف الباب... انحنى وبدأ ينظر من ثقب المفتاح وركبتيه ترتعشان.

كان الرئيس مازال جالسًا وراء الطاولة الكبيرة بوجهه الأبيض من الغضب أو التعب وعيناه محدقتان خارج النافذة، يمدد شفتيه، ويصفر مثل البلبل...

حاول أن يرفع يده من على مقبض الباب ولكنه فشل، كأن يده التصقت بمقبض الباب... ليس أمامه سوى حل واحد هو إخراج مقبض الباب من مكانه مثل سل السيف من غمده، وآنذاك يطعن به نفسه... لأنه بعد خلع مقبض الباب سيتكون ثقب كبير بحجم المقبض في باب الرئيس، وسوف يتكشف من خلاله ما بداخل الباب وخارجه، وهذا لا يصح...

شعر برجفة في بدنه، وارتعشت ركبتاه، وكأن قدميه معلقتان في السماء... وكأنه تعلق في مقبض الباب بكل جسده لأسفل... اسودت عيناه، وبدأ يقول لنفسه إن سبب كل هذا شدة الخوف لا غير... نعم مئة في المئة، وألف في المئة، ومليون في المئة، من شدة الخوف... ورغبة طعن مقبض الباب في بطنه بدلاً من الخنجر واسوداد عينيه على هذا النحو... بدأ يفكر أنه ممن ورث هذا الخوف ومن أين اكتسبه، ولكنه لم يتذكر... بقي فترة ممسكًا بمقبض الباب من شدة الخوف، وبعد فترة معينة تلاشي القلق، وعاد التنفس لشكله الطبيعي، وفطن أنه لم يتعلق بشيء، وأنه في فراشه الوردي، يستيقظ من النوم كالمعتاد...

... انتهت برامج التلفاز منذ فترة طويلة، وانقطع الإرسال، وظهرت على الشاشة نقاط سوداء غاضبة لا حصر لها... كان السيد "قاسم" يشمئز من هذه النقاط؛ لأنها كانت تذكره بالموت؛ شكل الشاشة المشوشة، المليئة بالنقاط السوداء كانت تذكره بأيام الطفولية في الريف وبرؤية جثث الحيوان المنتفخة والمليئة بالديدان المتحركة التي لا تعد ولا تحصى.

السيد "قاسم" كان يفكر وهو مضطجع على جنبه، ويقول لنفسه إن هذا سيحدث مع الجميع بعد الموت، وربما هذه النقاط السوداء مثل ديدان التلفاز تخبر عن انتهاء البرامج. وخلال هذا التفكير بدأ قلب السيد "قاسم" يتضاءل خفقانه، وكأنه توقف تمامًا. وبسبب كثرة النوم بدأ السيد "قاسم" يشعر بالتعب، تحرك بصعوبة وانقلب على جنبه الآخر، وأدخل رجليه تحت البطانية. كان فراشه باردًا وكأنه لم ينم أحد على الفراش طول الليل، وكأن دمه تجمد في أوردته. بدأ يفكر أن سبب البرودة في فراشه هو نفس النقاط على شاشة التلفاز؛ لأن بعد إعادة الإرسال والبرامج على الشاشة كان يسري إلى فراشه الدفء ثم يعم الحجرة بأكملها... قرر ألا يوقف تشغيل التلفاز رغم تأثير هذه النقاط على أعصابه وخوفه منها؛ لأن إيقاف تشغيل التلفاز يشبه إيقاف نبض الحياة، وكأن بعد إيقاف تشغيل التلفاز كانت حجرة السيد "قاسم" تتسع، وتأتي أصوات من جدران البيت التي لا حياة فيها وماتت منذ زمن. كانت الجدران تأخذ نَفَسًا صعبًا وباردًا... وكلما تتنفس، يصدر صوت حشرجة مثل مرض السُّلّ بسبب تفتتها من الداخل... رفع رأسه ونظر إلى السماء التي يبدو جزء منها من النافذة....

رغم الظلام الدامس، فقد فهم من خلال لون السماء بقرب الفجر... كان السيد "قاسم" دائمًا يفرح ويستمتع بمشاهدة بزوغ الفجر، هذا يمثل له فرحًا وسرورًا بإقبال اليوم الجديد. كان السيد "قاسم" يعلم هذا جيدًا، وبعد قليل، فإن النقاط السوداء التي توجد على الشاشة سترحل وتحل محلها الخطوط الملونة. تخيل السيد "قاسم" كل هذا، وبدأ يتثاءب بحرية. السيد "قاسم" كان مستعدًا أن يقدم الدنيا مقابل رؤية هذا الشكل الملون المليء بالمربعات والإشارات الغريبة.

... خطا العقرب الطويل خطوة واحدة للأمام... وظهرت على الشاشة الخطوط الملونة التي ينتظرها السيد "قاسم" منذ فترة، وكالمعتاد مع الخطوة الأخيرة للعقرب الطويل للساعة، انطلقت من نقطة ما من الشاشة، وهبطت كالباراشوت... وما إن ظهرت الخطوط الملونة، نهض السيد "قاسم" مُصدرًا شيئًا ما يشبه الهواء البارد من أعلى صدره.

وبعد عدة دقائق، ستظهر على شاشة التلفاز الساعة... فكر السيد "قاسم" وهو يشعر براحة داخلية أنه سوف يُعزف من جديد النشيد الوطني الذي يؤثر فيه كل مرة بالرغم من عزفه يوميًا منذ عدة سنوات... ورغم أن صوت التلفاز منخفض، فإنه سيهز جدران الحجرة الميتة شبه المظلمة من عزفه بهدوء، وسوف يرفرف بعزة العلم القومي الضخم الشامخ فوق أعلى قمة بالمدينة...

كانت جدران الحجرة تهتز هكذا، عندما تظهر على الشاشة صورة الرئيس... وعندما كان يرى السيد "قاسم" صورة الرئيس بقامته العريضة التي تسعها بصعوبة شاشة التلفاز الصغيرة المربعة، كان يشعر بقلبه يرتجف رجفه غريبة، وأنه يخفق ببطء كفرخ الطائر الضعيف الذي يرغب في الخروج من البيضة، والبكاء يتملكه كل مرة جراء هذا... كان الرئيس الذي يقف مثل جندي نظامي بقامته الطويلة وذراعيه بجواره أمام العلم الوطني المرفرف برقة يسلط عينيه المحدقتين إليه... وفي تلك اللحظة، ووسط تلك الهيبة، كان يتأهب أن يقول له الكلمات القلبية التي أراد أن يقولها له منذ زمن طويل، ولكنه لم يجد الفرصة مطلقًا حتى يقولها له... وعلى الرغم من انتشار دفء غريب ولطيف في جسم السيد "قاسم" لا يستطيع هو نفسه إدراك معناه جراء هذه الحميمية للرئيس، آنذاك كان يظهر على الشاشة العلم القومي الذي بدأ النشيد الوطني يجعله يرفرف بانسيابية، ثم بعد ذلك كانت صور أجمل شوارع المدينة وميادينها تتوالى على الشاشة.

كان السيد "قاسم" في معظم الأوقات قبل النوم، يُخفض صوت التلفاز تمامًا، ويعرف عزف النشيد الوطني من خلال رفرفة العلم الوطني الظاهر على الشاشة بعد ظهور الساعة

... قام من فراشه واستند على الوسادة، أراد أن يهرش ظهره، بالرغم من أنه مدّ يده وهرش ظهره بقوة، فلم يشعر بشيء مطلقًا. كان جلد ظهره جافًا وبلا إحساس مثل قشر الحطب... فكر السيد "قاسم" في أنه كلما يتقدم الإنسان في العمر، ربما تشيخ أنسجته أيضًا. تذكر السيد "قاسم" النظرات المليئة بالدهشة للطبيب الذي أزال بالمشرط بدون مخدر الدمل الموجود فوق سرته قبل أسبوع... على الرغم من أن الطبيب الشاب قليل الخبرة ارتجف بسبب فقدانه الإحساس بالألم الذي لا يطاق، فلم يهتم بذلك، وواصل في إزالة جلد بطنه كالذي يقطع الخضروات الباردة وشفرة المشرط الفضية اللون تلمع في يده...

جلس مكانه ودلي قدميه من على السرير، ما كانت عنده الجرأة لكي ينظر إلى رجليه، قطع على نفسه عهدًا أنه لن يتذكرهما قدر المستطاع؛ لأن قدميه في الآونة الأخيرة بدأتا تُذكرانه بشعار غريب يشبه رمز الموت الذي شاهده في علم إحدى الدول أو في إحدى الكتب في وقت ما أو في إحدى اللوحات الفنية... كان السيد "قاسم" يختلط عليه الأمر أحيانًا، هل رأى هذا الشعار في الحقيقة أم في المنام، أو ربما شعر به في إدراكه هو بطريقة ما؟ وكان لا يعاني من تميز هذا...

... اختفت الخطوط الملونة، وبدأ العلم ذو الألوان الثلاثة الظاهر في الشاشة يرفرف بلطف كالعادة... فكر السيد "قاسم" في أن النشيد الوطني سوف يُعزف الآن... وفجأة تذكر حلمه الذي شاهده هذه الليلة.

كان السيد "قاسم" على مدار الحلم بالكامل بصحبة النشيد... وكان هذا العلم أيضًا...  في الحلم ذاته يرفرف بهدوء في ناحية ما... وتذكر أيضًا أنه رأى في ذلك الحلم أنه بينما كان معلقًا بهوة ما لا يُرى قعرها وعيناه مرعوبتان من الذعر، كان يُعزف هذا النشيد نفسه في مكان ما قريب جدا...

... كانت المذيعة التي ظهرت في الشاشة تعلو وجهها المنتفخ من أثر النوم ابتسامة زائفة تقول شيئًا ما... ربما كالمعتاد كانت تعرض البرامج التي ستعرض على الشاشة هذا اليوم.

هرش السيد "قاسم" وجهه ناظرًا للمذيعة، وفكر أنه من الغريب أن شعر وجهه لا يشيب، كلما حلقه، ظهر مرة أخرى. مثلما كان الحال وهو في سن السابعة عشرة... ثم استدار، ونظر إلى الماء النقي المغلي الذي برد جراء برودة الليل-والله أعلم- والذي ينتظره منذ أمس فوق الدولاب الموجود بجوار السرير، وفكر أنه ما إن يتناول هذا الماء ويشربه، فسوف تضطرب أمعاؤه الناعسة في دفء بطنه، وتجعله ينهض على قدميه ويهرول للحمام... ربما كان النص الذي لدى المذيعة أوشك على الانتهاء؛ لأن الابتسامة التي كانت تعلو وجهها ستنتهي هي الأخرى الآن... ثم حدث شيء ما، وكأنه استرخى في المكان الذي يجلس فيه، وغشيت تلك الغشاوة اللعينة من جديد عينيه... شعر بسرعة خفقان قلبه، فمرر يديه فوق الدولاب الموجود بجوار السرير كالكفيف، وبحث عن أقراصه الوردية التي يأخذها لعلاج جلطة المخ... آنذاك، فجأة انقشعت الغشاوة من نفسها، فرأى السيد "قاسم" العلم الوطني ذي الألوان الثلاثة على الشاشة مجددًا. كلما كان العلم الوطني يرفرف، كانت ألوانه تبدو أكثر وضوحًا... ولم يمض وقت طويل، حتى ظهرت على الشاشة قاعة الاجتماعات الواسعة الخاصة بالرئيس... كانت الحجرة فارغة.

بعد فترة، ظهرت قامة الرئيس العريضة في أقصى القاعة... سار بخطى حثيثة وبتأنٍ، وتمهل طيلة القاعة، ومر خلف الكرسي ذي المسند المرتفع الموجود على رأس طاولة الاجتماعات المستديرة. ظل مدّةً واقفًا كالجندي في حرس الشرف، وطافت الكاميرا على مجموعة المسئولين الجالسين حول المائدة وفي أيديهم الأقلام، وأمامهم الأوراق البيضاء، بوجوه مكفهرة ومسلطين نظرهم فيه.

قال الرئيس شيئًا ما للمشاركين في الاجتماع، وجلس مكانه، وركزت الشاشة على وجهه، فظهر بحجم كبير. كان كلما يملأ وجه الرئيس الشاشة بأحجام مختلفة، كان يغلب النعاس على السيد "قاسم" بسبب الاسترخاء أو لسبب آخر... كان السيد "قاسم" في مثل هذه الأوقات يشعر بنشوة غريبة بسبب نضارة وجه الرئيس الذي ينظر من هذه النافذة الإلكترونية الصغيرة المُطلة على غرفته الباردة وشبه المظلمة، أو بسبب رائحة الكولونيا النفاذة، وتبدأ ذاكرته في تقليب الذكريات الأغلى... كانت رائحة الكولونيا التي تشع من وجه الرئيس الذي حلقه حديثًا تُذكّر السيد "قاسم" برائحة نبات الشوكران الذي كان يقشره ويأكله وهو يقفز على حافة النهر أو في العراء من زمن بعيد أيام طفولته المبكرة... كان السيد "قاسم" من خلال المذكرات التي قرأها بشأن أيام طفولة الرئيس وفترات شبابه، يعرف جيدًا أنه قضى حياته في الأساس في مثل هذه الأماكن؛ أي في الجبال وعلى حواف الأنهار والشواطئ التي نبت فيها نبات الشوكران بكثرة. ... لم يمض وقت طويل حتى طاف الرئيس بعينيه الرماديتين على مدار الشاشة كأنه يستعرض حجرة السيد "قاسم"، وبدأ يهمهم بشيء ما دون أن يفتح فمه تقريبًا.

-       صباح الخير.

قال السيد "قاسم" هذا، ومد يده نحو الكوب الموضوع فوق الدولاب، شرب عدة جرعات من الماء حتى انتهى، ونهض على قدميه ... كانت ركبتاه لا ترتعشان. لبس شبشبه القديم الذي أصاب داخله الندى بسبب برودة الليل، واقترب من التلفاز جارًا قدميه، وانكمش ونظر عن قرب شديد إلى وجه الرئيس... كان وجه الرئيس يبدو أكثر نضارة عن أمس. لقد انفرد جلده، وتوردت خدوده.

فكر وهو يواسي قلبه قائلاً في نفسه: "لن يصيبه مكروه مطلقًا، لن تعود ثانية هذه الحالة الفظيعة التي كان عليها منذ عدة أيام"... أما منذ عدة أيام، فقد جلس الرئيس بوجهه الذي علته الصفرة على الكرسي الموجود في مقدمة قاعة الاجتماعات، وسلَّط عينيه المذهولتين ونظراته المتعبة السملة نحو عيني السيد "قاسم" مباشرة... كان ينظر إليه بشكل كأنه يودعه بنظراته... كأن الرئيس في ذلك اليوم ليس لديه طاقة على الكلام، وكان يتوقف أثناء حديثه ويتنفس بصعوبة".

لقد ساءت حالة السيد "قاسم" أيضًا بسبب الحالة التي عليها الرئيس، وضاقت نفسه فجأة وهو ممد، وبدأت ضربات قلبه تخفق، وتفقد توازنها... أما في تلك الليلة فقد رأى السيد "قاسم" في منامه أنه يلعب مع الموت لعبة الغميضة... كان الموت يشبه الرئيس تمامًا... كان هو الآخر على هذا النحو من العظمة والهيبة، يقف عند نهاية حجرة النوم وقفة تشبه وقفة الجندي النظامي ممشوق القوام، ويتابع حركات السيد "قاسم" بنظراته... كان السيد "قاسم" يختبئ طيلة الحلم أحيانًا تحت اللحاف، وأحيانًا أخرى ينزل على الأرض ويختبئ خلف الدولاب، وكان جسمه يُشع أشعة غريبة تشبه التيار الكهربي، ويزحف خلف الستائر، وينحشر بين الدواليب، وأرفف الكتب، وعندما نفد صبره، انطرح تحت أقدام الموت، وسلَّم نفسه له وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة...

أدار زر التلفاز ورفع صوته:

-       ... سيئ بشكل مُضاعف! أمس، وأول أمس، وكذلك اليوم.

قال الرئيس هذه الكلمة وبلع ريقه.

أدار الزر بسرعة، ورفع صوت التلفاز، وفي هذه الدقيقة تخيل أمام عينيه وجه طبيب المنطقة المسطح الذي يشبه وجه البومة.

سلط الطبيب عينيه المستديرتين نحوه، وقال والبخار يتصاعد من نفسه:

-       عدوك الأول هو الصوت.

كان السيد "قاسم" يفكر في نفسه: "فمن هو العدو الثاني؟ كان الطبيب الذي يشبه البومة لا يقول هذا مطلقًا، ربما هو نفسه كان لا يعرف بالتحديد من هو عدوه الثاني؛ لذلك لا يقوله".

نهض على قدميه، وذهب إلى الحمَّام جارًا قدميه خلفه. عندما عاد إلى حجرته، كان الرئيس قد صمت، ودلَّى رأسه لأسفل، وينظر إلى شيء ما فوق الطاولة، أو يقرأ شيئًا ما، لا يمكن فهم ذلك.

مرَّ وجلس على حافة السرير، تذكر وجه الرئيس قبل أربع سنوات، وقارنه بالوضع الذي عليه الآن، فاستقر في نفسه أن الرجل لم يكبر أو يشب خلال هذه الأربع سنوات الشاقة، بل بالعكس، كأنه استعاد شبابه بعض الشيء أيضًا، بل أصبح أكثر نضارة، وكأن شعره أيضًا زادت كثافته. أما الأمر الأساسي فإنه لم يفقد ذهنه وتركيزه، ذهنه هو الحياة نفسها، فكر السيد "قاسم" متأثرًا بعض الشيء في مكانه، ثم تذكر مرة أخرى الحلم المرعب الذي رآه قبل عدة أشهر...

في حقيقة الأمر، فإن الوهن والضعف الشديد الذي أصاب السيد "قاسم" حدث بعد حلمه هذا الذي يشبه الطعام الذي لم ينضج جيدًا، وبعد ذلك الحلم ظهرت أيضًا تلك الغشاوة التي لا تنقشع من أمام عينيه مثل الستارة السوداء المسدلة، والتي تحجب عنه رؤية ما حوله، وبعد ذلك الحلم بالذات، اضطر السيد "قاسم" أن يستدعي طبيب المنطقة ذي الوجه الذي يشبه البومة إلى المنزل، قاس الطبيب له النبض، ونظر إلى لسانه، وقال له:

-       أعراض إجهاد.

أما السيد "قاسم" فقد رأى في ذلك "الحلم المُتعب" أن الرئيس فقد عقله... تذكر السيد "قاسم" جو ذلك الحلم الذي لا يتذكره، فشعر ثانية بخفقان ضربات قلبه، وأنه فقد اتزان نبضه، وأنه يرتجف وينتفض كالدجاجة المذبوحة، فتمالك نفسه، ووضع تحت لسانه أحد أقراص العلاج التي أخفاها تحت الوسادة، واسترخى فوق الوسادة بحذر، وانتظر فترة حتى يذوب القرص في معدته، وينتقل مفعوله منها إلى دمه، ولينتشر في شرايينه مرورًا بصدره، فتخف حدة توتر قلبه، ولاحظ انتظام ضربات القلب تدريجيًّا، ثم فكر بطرف عينه ناظرًا إلى قاعة اجتماعات الرئيس وهو يقول في نفسه "كل ما تملكه هذه الدولة، فقد حصلت عليه بفضل حرص هذا الرجل واجتهاده". لقد شعر السيد "قاسم" بهذا الاجتهاد طيلة حياة هذا الرجل في سنوات دراسته، ثم أيضًا في وقت الحرب، أي في السنوات التي حكم فيها "ستالين"، وفي أفضل سنوات عمر هذا الرجل. أما بعد عدة السنوات الأخيرة، فقد أدى عدم وجود هذا الرجل في الدولة إلى ظهور استراحة من الاجتهاد والحرص، وكادت الدولة في هذه الاستراحة أن تختنق وتموت. فكر السيد "قاسم" وهو يهرش خده، ثم رفع رأسه، ونظر إلى لوحة صغيرة بها صورة "ستالين" معلقة على الحائط.

كان "ستالين" يرتدي معطفه الرمادي... مهما سبوه بأبشع الشتائم، ومهما لعنوه، واختلقوا آلاف التُرهات عنه، فلن يستطيعوا مسح الاحترام لـ"ستالين" من ذاكرة الإنسانية، فكر السيد "قاسم" وهو يتبادل النظر بين صورة "ستالين" والاجتماع. كان تفاؤل تلك الفترة وتلك السعادة ومنبع الطاقة هذا، أي كل شيء بمعنى الكلمة هو نتاج نعمة الحياة التي يُطلق عليها "الحرص والاجتهاد" التي كانت ضرورية ولا تُعوض بالنسبة لجموع الشعب... ثم تذكر السيد "قاسم" تلك السنوات التي كانت مليئة بالنصر والسعادة والسعة التي عاشها بفضل ذلك الحرص والاجتهاد... وتذكر أيضًا أنه بفضل هذا "الحرص والاجتهاد" أحب الآخرين وأحبوه، وتزوج وأقام أسرة وأنجب أبناء، وكذلك اللحظات التي لا تُنسى والتي قضاها في حفلات الرقص والفرح، وفي قاعات السينما والمسرح التي كانت تضج بالتصفيق الحار... عندما وصل الأمر إلى هذا الحد، توقف قلب السيد "قاسم" فجأة... وتضاءلت ضرباته، وكأنه انتهى...

كانت الشاشة تُظهر الجالسين في الاجتماع بشكل عام، ثم ظهر وجه الرئيس ثانية عن قرب. كان الرئيس ينظر إلى مكان ما جانبًا، ثم فجأة ولسبب ما، أدار الرئيس رأسه وسلَّط عينيه الرماديتين على وجه السيد "قاسم"، وكأنه هزَّ رأسه دليلاً عن عدم الرضا... أم هكذا يُخيل إليه؟...

فزع جسم السيد "قاسم" من هذه الإطلالة المفاجئة للرئيس كجسم ضفدع التجارب الذي مسَّه تيار كهربي قصير.

هزَّ صوت الرئيس الحجرة الصغيرة:

-       السيد "ممدوف"، أنا معك، انهض على قدميك! ...  أتسمع ما أقول ؟!...

قفز على قدميه بجسمه النحيف، ووضع ذراعيه بجوار جسده مثل العسكرية، وتمالك نفسه بصعوبة حتى يقول:

-       نعم فخامة الرئيس... ثم مسح بيده قطرات العرق الباردة التي تتساقط بهدوء من وجه المدلى لأسفل، وتنهد بنفس كان يختبئ في جانب من جوانب صدره.

كان الرئيس لا يزال ينظر إليه... وكأنه يُحرك شفتيه... كتم نفسه، واستمع مُنصةً، وحدق عينيه، وعدّل نظارته، وأمعن النظر في شفتي الرئيس اللتين كانتا تتحركان بهدوء.

كان الرئيس يقول كلمات خاصة به... أو بمعنى أصح، بالرغم من أنه كان يريد أن يقول شيئًا، فكان عائقًا لذلك... وكان أحد العائقين هي زوجته "ياسمين" التي كانت تتحدث بشكوى دائمًا في الحجرة الأخرى، أو ربما في المطبخ... وبالرغم من أنه لم يسمع بدقة كلام زوجته، فقد فهم السيد "قاسم" من خلال نبرة الكلام أنها كسرت من جديد شيئًا ما.

... صمت الرئيس ودلى رأسه لأسفل، ربما أطلق سراحه أخيرًا. نهض من مكانه، وسار نحو التلفاز وركبتاه ما زالتا تترنحان إثر الذعر السابق، حدث عينيه، ونظر عن قرب إلى وجه الرئيس، ومدَّ يده إلى الشاشة، ومرر أصابعه فوق وجهه، وياقة البدلة السوداء.

رفع الرئيس رأسه، ونظر بعينيه الهادئتين إلى السيد "قاسم".... وكأنه ابتسم قليلاً... جلس السيد "قاسم" على المقعد الصغير الموجود بجوار التلفاز، وأمسك قلبه، وعدّل نظارته، ونظر عن قرب شديد إلى الشاشة... وكاد قلبه ينفجر من الذعر... كانت حدقتا عيني الرئيس مليئتين بتلك النقط البيضاء السوداء التي تفور من شاشة التلفاز... ثم كأن السيد "قاسم" سمع صوت النقط الغاضبة التي تفور بحدقتي عيني الرئيس في المكان الذي كان يجلس فيه... كلما كانت النقط تفور بغضب وتتداخل بعضها ببعض، كأنها كانت تصدر أزيزًا... أو هكذا يُخيل إليه! ...

تقلقل السيد "قاسم" مكانه بسبب هذا المنظر العجيب أو بسبب آخر، حتى كاد أن يخر من على الكرسي، فتمالك نفسه بصعوبة. اهتزَّ ثانيًا جسمه وقد أضعفه المرض والأزمات القلبية المتتالية، واستاءت حالته مرة أخرى، نهض السيد "قاسم" من المقعد، واستطاع أن يصل بصعوبة للسرير، وعليه تمدد ووجهه لأسفل دون أن يتغطى.

مرت عدة دقائق، أو ساعة، لم يستطع السيد "قاسم" معرفة هذا، الشيء الوحيد الذي شعر به هو أن السيدة "ياسمين" تجلس بجواره، وتتنفس بهدوء.

رأت السيدة حركته، فبدأت تتكلم:

-       في النهاية، سوف يهدم هذا بيتك.

حرك السيد "قاسم" ذراعيه بصعوبة وهو بين الحياة والموت، وأدار جسمه يُمنةً ويسرةً بهدوء، وأراد أن يسأل: "من تقصدين بقولك "هذا؟"... ". ولكن زوجته لم تمكنه، وواصلت كلامها بشكل متتالٍ:

-       لقد قالوا لك، ممنوع النظر إلى التلفاز.

كانت الناس في السوق في ذلك اليوم يتحدثون عن هذا أيضًا. يقولون إن العديد من الأشخاص قد ماتوا أثناء مشاهدة هذا اللعين. إضافة إلى ذلك، فإنهم ماتوا جالسين أو متمددين... نهض على قدميه وزوجته تتحدث، سار بخطى حثيثة، ربما أراد أن يطفئ التلفاز.

قال السيد "قاسم":

-       انتظري! ...

لم يعرف صوته ذاته، كان صوته هو صوت "قاسم" من قبل حوالي عشرين أو خمسة وعشرين عامًا، "قاسم" الذي كان سكرتير لجنة الحزب بالمنطقة، "قاسم" خفيف الحركة، حاد النظرات، الهادئ....

تغير لون السيدة "ياسمين" من هذا الصوت، تسمرت المرأة مكانها مدة، ثم ذهبت للحجرة الأخرى وهي تتمتم بكلمات، وقدم صوتها من إحدى الغرف الأخرى عدة مرات، وهي تقول:

-       والله مسكين أنت، بالله مسكين أنت... سوف يقتلك هذا التلفاز! سوف يقضي عليك! ...  ما فائدة أنك تخفض صوته؟ فماذا عن أشعته؟ ... ليتك تخرج من عندك، وتتجول في الخارج...

*     *     *

... كان فناء المنزل خاليًا تمامًا من الناس. كانت الرياح تعصف بالأوراق الموجودة في الفناء وتُطيرها في السماء كالعاصفة، وكأنها ترغب من حين إلى آخر في ضم السيد "قاسم" إلى الأوراق التي تتطاير، وتدفع بجسمه الخفيف في الهواء مع تلك الأوراق، وتذهب به إلى مكان بعيد.

خرج من فناء المنزل، وسار مع اتجاه الرياح نحو المقابر الموجودة في الناحية الأخرى من الرصيف... ملأت الرياح أنفه، فقطعت نفسه... أو بسبب عدم خروجه للشارع منذ فترة طويلة، ضغط الهواء النقي الذي نسيه على رئتيه؟... أيًا كان الأمر، فقد استاءت حالة السيد "قاسم" أثناء السير... وخارت قواه... فأسند يده إلى حائط المبنى المجاور له وتوقف، وأخذ ينظر إلى الصور الملصقة بجوار بعضها طيلة الجدار وهو ينهج بهدوء.

كان الرئيس يرتدي المعطف طويل الرقبة الأسود في جميع الصور، كان ينظر إليه مبتسمًا ابتسامة عريضة واضعًا ذراعه فوق ركبته بخفة غريبة. وبالرغم من أن السيد "قاسم" أراد أن يُقرّب نظارته لعينه ويُمعن النظر بدقة في الصورة لأنه لأول مرة يرى الرئيس مرتديًا هذا المعطف طويل الرقبة الأسود، ولكن الرياح لم تمكنه من هذا، وهجمت على السيد "قاسم" فجأة وأبعدته عن الصور، وافترشت تحت قدميه كالبساط الطائر الخفي، مُبللة عينيه، وكأنها تنزع بدنه الضعيف من المكان، وتسوقه نحو المقابر... كان الجدار الملصقة به صور الرئيس ممتدًا لا نهاية له. كانت الصور تزداد وعدد الرؤساء ذوي المعطف طويل الرقبة الأسود تتفاقم... مُزقت جوانب بعض الصور، وقد مُزق في أحدهم نصف وجه الرئيس، وفي الأخرى جسده بالكامل.

ترنح السيد "قاسم" تحت تأثير الرياح، وأمسك بعمود الإنارة الموجود في نهاية الجدار، وأسند جسمه إلى العمود، وملأت الرياح مجرى التنفس، وأدمعت عينيه، وظل فترة على هذه الحالة. كأن الرئيس ذا المعطف الأسود الذي كان ينظر إليه من الصورة الموجودة في نهاية الجدار لم يكن هو الرئيس الذي شاهده على شاشة التلفاز قبل قليل، لا في ملابسه، ولا في نظرته، ولا في ابتسامته. ولم يكن بجانبه كذلك العلم القومي.

*    *     *

عندما عاد إلى المنزل، كان قد حل المساء، وكان التلفاز مغلقًا. اتجه السيد "قاسم" من الطُّرقة إلى الغرفة مباشرة، ودخل تحت اللحاف دون أن يخلع معطفه، وقال وهو يرتعد:

-       ربما أُصبتُ بالبرد.

أحضرت السيدة "ياسمين" من الغرفة الأخرى لحافًا سميكًا، وعلى الرغم من أنها خلعت له ملابسه، وغطَّته باللحاف، فإن بدن السيد "قاسم" لم يدفأ. كأن برودة الرياح السابقة تعصف داخل السيد "قاسم" الآن، وتُصدر صفيرًا في أذنه. أخرج أنفه من تحت اللحاف، ونظر للسيدة "ياسمين"، وأشار بعينه للتلفاز، وقال لها بلطف شديد:

-       افتحي التلفاز.

بدأت البرامج المسائية. لقد انصرف الانتفاخ الذي كان يعلو وجه المذيعة في الصباح.

شعر السيد "قاسم" أن البرودة الشديدة التي تسير من أخمص أصابع قدميه إلى أعلى تنتشر تقريبًا في كل بدنه... كما أنه شعر أن جسمه المريض الذي اعتاد على الدفء والراحة لن يستطيع أن يتحمل هذه البرودة.

كان في مثل هذه الحالات، يغلب البكاء على السيد "قاسم" لسبب ما في اللحظات التي يواجه فيها مثل هذا العجز، وكان يتخيل أمام عينيه مشاهد احتضار مهيبة لأقاربه الذين ماتوا ورحلوا عن دنيانا من زمن بعيد أمثال والديه، وبنات خالته، وأحفاد عمه...

إن الأعين التي تبرق من الألم أو الخوف، والأنوف المصفرة والرقيقة كمنقار الطائر، والأيدي النحيفة التي كومت أغطية الوسادة في كفيه كالورقة؛ كل هذا يختلط بعضه ببعض، ويكوّن منظرًا مهيبًا يصاحبه نعيق البومة. كان يستعيد أمام عينيه مشاهد موت أمه التي كانت تنتحب مصدرة أصوات مرعبة تشبه صوت الغراب لعدة ليالٍ بسبب احتضاره الذي استغرق مدة طويلة، وموت خالته التي تلفظ أنفاسها الأخيرة كانت تستنشق التين بشهية غريبة، محتفظة به في حيطة شديدة في كفها كالجوهرة القيمة، وموت عمه الذي كان وهو يحتضر كأنه يطير إلى مكان ما؛ أي في المكان الذي يتمدد فيه مبتسمًا وملوحًا بيده إلى أشخاص ما... انتصب مكفهرًّا، وجلس مكانه، وأخذ نفسًا عميقًا.

لا، ألف شكر لله، ما زال قلبه ينبض... كان يدق ببطء كصوت أقدام طفل صغير... جراء هذا الفكر، اتضحت فجأة الرؤية أمام عيني السيد "قاسم"، ورأى الرئيس يتحدث جالسًا وسط أشخاص في الشاشة... كان الرئيس يجلس في حجرة مهيبة مفروشة بالسجاد، ويتحدث مع بعض الأوزبك وهو يشرب الشاي في أكواب منقوشة، وذلك على الهيئة التي كان عليها في ذلك "الحلم المخيف" الذي شاهده السيد "قاسم" قبل عدة أشهر.

في البداية، لم يصدق السيد "قاسم" عينيه، ثم جمع كل قواه، ونهض على قدميه بصعوبة، وساق نفسه إلى أمام التلفاز... ضم ركبتيه المرتعشتين من الوهن، وخر على المقعد، وقرب وجهه للشاشة، ونظر عن قرب إلى ما يحدث هناك. أراد أن ينهض، وينادي على السيدة "ياسمين"، ولكن شعر أنه لم يبق في جسمه أية قدرة على النهوض... كما جفَّ حلقه أيضًا، فلن يستطيع أن يُحرك لسانه في فمه، ثم فجأة اغرورقت عيناه، وشعر أن قلبه قد توقف. وبالرغم من أنه فتح فمه وأراد أن يستنشق جرعة من الهواء، فإن رئتيه لم تُفتحا، ظل جالسًا عدة دقائق بفم شبه مفتوح وعيناه على شاشة التلفاز... ثم خيم الظلام على عينيه بسبب الاختناق أو لأي سبب آخر... أم أن إضاءة المنزل قد تضاءلت؟ ... هبَّ داخل المنزل تيار هواء يشبه الرياح القادمة من مكان ما، فأسقطت السيد "قاسم" من فوق المقعد.

سقط السيد "قاسم" على الأرض على جانبه، فاصطدمت رأسه بشيء حاد، فأوجعته. بعد قليل رأى كل ما حوله أحمرَ قانيًا بسبب أن السائل الدافئ الذي كان يسيل من أذنيه حتى خده بدأ يملأ عينيه تدريجيًّا. ووسط هذه الحمرة، ظل ممدًا يستنشق هواء متقطعًا برئتيه المتحجرتين، ثم حلَّ الهدوء والظلام على الحجرة.

عندما دخلت السيدة "ياسمين" الحجرة، كان يُذاع في التلفاز لقاء جديد للرئيس مع رئيس إحدى الدول الأجنبية. كان الاثنان يرتديان بذلة سوداء.