مهمة تاريخية

ن الشيء الذي يحدد هوية أمة ما وتاريخها وفرديتها وأصالتها، ويجسد جسرا متينا بين الماضي واليوم والمستقبل ويعتبر لغتها ويثريها هو الأدب. وليس هناك شيء أكثر تأثيرا يجعل الوطن وطنا كاللغة والأرض. اللغة هي مكانها الأخلاقي والأرض هي منطقتها الجغرافية.

وقد وقعت مسئولية حماية اللغة وإحيائها وتطويرها منذ القرون على كاهل شخصيات تاريخية لكل أمة وفي هذا الصدد، إذا ألقينا نظرة على المراحل التي مرت بها لغتنا الأم، لا نجد شخصا ثانيا غير "حيدر علييف"، ترك تأثيرا كبيرا في هذا الطريق التطوري مع مختلف الإصلاحات والأحداث السياسية والاجتماعية، كما أنه لم يبذل أحد جهودا كما بذلها هذه الشخصية من أجل الحفاظ على الوجود الوطني للغة الأذربيجانية وعمل بمثابرة وشجاعة لا تكل من أجل جعلها رمزا للدولة مثل شعار الدولة وعلمها ونشيدها الوطني.

وقال "حيدر علييف" في خطابه خلال حفل أقيم بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس جامعة أذربيجان الحكومية في سنة 1969م "اللغة الأم تحتاج إلى رعاية الدولة، خاصة إلى الموقف الحساس من المثقفين". إن سياسة اللغة القومية التي اتبعتها قيادة الجمهورية في العهد السوفياتي، منذ أواخر الستينات وهي فترة شهدت الضغط السياسي والأيديوليجي للمركز على الجمهوريات، كانت تشمل إجراءات متعددة الأوجه، اتخذت من أجل تشكيل اللغة الأذربيجانية ككنز وطني، والحفاط على هويتها، واكتساب مكانة لغة الدولة، وتثبيتها في التشريع، وتوسيع وظائفها ونطاقها، ونقائها وتطورها، إلى جانب إيقاظ روح الحرية الوطنية، وروح العودة الذاتية والوعي الذاتي فتحت آفاقا واسعة لتحديث الدائرة الدلالية والمحتوى والأيديولوجي للأدب الوطني، وحرية الفضاء الأدبي والفني...

وقد أشار "حيدر علييف" في المؤتمر العاشر للكتاب الأذربيجانيين الذي عقد في 30 أكتوبر 1997م على النحو التالي:

"أذكر عندما خرجنا للاستراحة لأول مرة بعد خطابي ألقيت باللغة الأذربيجانية في مؤتمر اتحاد الكتاب. كان الجميع يتقدم إليّ بالتهاني لأني كنت أول من تحدث باللغة الأذربيجانية. وعندئذ قلت: "أيها الأخوة الأعزاء، لا غرو في ذلك، إنها لغتنا الأم". وأدركت أن المسئولين في الدولة لا يتكلمون باللغة الأذربيجانية. كانت هذه اللغة متداولة بين الشعب فقط، وكانت هناك لغة أدبية كذلك، ولكن لم تكن هناك لغة رسمية".

وأصبح هذا الارتباط اللامتناهي باللغة الأم، والحب اللامحدود للشعب والأمة أكثر وضوحا بعد العودة الثانية للزعيم القومي إلى السلطة... وخلقت العديد من المراسيم والأوامر الموقعة  بشأن إبراز الأهمية الوطنية والحكومية للغة الأذربيجانية، وتحديثها وتدريسها وتطبيقها ودراستها، بالإضافة إلى أرساء الأساس لمفهوم بناء اللغة المثالية، تغييرات مهمة جوهرية في تطور اللغة وإثراء محتواها وجوهرها وتوسيع مجال استخدامها ودلالاتها.

حفر اسم "حيدر علييف" في صفحات التاريخ بأحرف ذهبية، لما قدمه من خدماته الاستثنائية في سبيل رفاهية أذربيجان، وازدهارها وتنميتها، وكذلك من أجل الحفاظ على استقلالها وتعزيز أسس الدولة وثباتها. وموقفه الحساس واهتمامه الكبير باللغة الأذربيجانية في مجال الأدب، أو بالأحرى، في الأدب الوطني وحمايته وتطويره جدير بالاعتبار أيضا.

ومنذ السنوات الأولى من تعيينه في منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي لجمهورية أذربيجان الاشتراكية، وهي أصعب فترات الديكتاتورية الأيديولوجية في الحقبة السوفياتية، ركز انتباهه على الأدب الوطني باعتباره الثروة الروحية الأقدس للشعب، وتكريم الكتاب والشعراء بألقاب فخرية رفيعة وجوائز رسمية، وتنظيم احتفالات اليوبيل، وتنفيذ تدابير وفعاليات قومية على مستوى الجمهورية من أجل الحفاظ على التراث الثقافي الكلاسيكي، منها: تشييد ضريح شاعري "ملا بناه واقف" و"حسين جاويد"، وافتتاح تمثال لــــ "عماد الدين نسيمي"، و"جليل محمد قولو زاده"، و"جعفر جبارلي"، و"صمد فورغون"، و"عاشق علي أصغر"، و"ناريمان ناريمانوف"، وكذلك إنشاء متاحفهم المنزلية، ونقل جثمان "حسين جاويد" من سيبيريا في روسيا إلى ناختشيفان ودفته في موطنه وما إلى غير ذلك، الأمر الذي أدى إلى تخليد ذكرى هذه الشخصية السياسية في ذاكرة الشعب بوصفه حاميا للغة والأدب الأذربيجاني، و"رجل الأدب الكبير".

السيدة "آفاق مسعود"

كاتبة الشعب الأذربيجاني